سيد محمد طنطاوي
154
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
يزعهم وازع من خلق أو دين . قال صاحب الكشاف : يقال : أسرع فيه الشيب ، وأسرع فيه الفساد بمعنى : وقع فيه سريعا . فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم أنفسهم فيه على أسرع الوجوه ، بحيث إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها » « 1 » وقال أبو السعود : والمسارعة في الشيء : الوقوع فيه بسرعة ورغبة . وإيثار كلمة * ( فِي ) * على كلمة إلى ، للإيمان إلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرحونه . وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض آخر منها ، كإظهار موالاة المشركين ، وإبراز آثار الكيد للإسلام ونحو ذلك » « 2 » وقوله : * ( مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ) * بيان لأولئك المسارعين في الكفر . والمتنقلين في دركاته من دركة إلى دركة . وقوله * ( بِأَفْواهِهِمْ ) * متعلق بقوله : * ( قالُوا ) * وقوله : * ( ولَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ) * جملة حالية من ضمير ، قالوا . وقوله : * ( ومِنَ الَّذِينَ هادُوا ) * معطوف على قوله : * ( مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ ) * وعليه فيكون الذين هادوا داخلين في الذين يسارعون في الكفر . أي أن المسارعين في الكفر فريقان : فريق المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وفريق اليهود الذين تميزوا بهذا الاسم واشتركوا مع المنافقين في نفاقهم والمعنى : لا تهتم يا محمد بأولئك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين واليهود الذين من صفاتهم أنهم يظهرون الإيمان على أطراف ألسنتهم والحال أن قلوبهم خالية منه . وعلى هذا المعنى يكون الكلام قد تم عند قوله - تعالى - * ( ومِنَ الَّذِينَ هادُوا ) * ، ويكون ما بعده وهو قوله : * ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) * . ألخ . من أوصاف الفريقين معا ، لأنهم مشتركون في المسارعة في الكفر . ومنهم من يرى أن قوله تعالى : * ( ومِنَ الَّذِينَ هادُوا ) * جمله مستأنفة لبيان أحوال فريق آخر من الناس وهم اليهود ، وأن قوله - تعالى - بعد ذلك * ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) * إلخ . من أوصاف هؤلاء اليهود ، وأن الكلام قد تم عند قوله - تعالى - * ( ولَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ) * وأن البيان بقوله : * ( مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ) * لفريق المنافقين .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 632 بتصرف يسير ( 2 ) تفسير أبو السعود ج 2 ص 27